أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

29

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

قال الشاعر : ومن يك ذا فم مر مريض * يجد مرا به الماء الزلالا وقيل : ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة * ان لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر حكى عن بعض فضلاء القضاة أنه رؤى بعد ما طعن في السن وهو يتعلم أشكال الهندسة ، فقيل له في ذلك فقال : وجدته علما نافعا فكرهت أن أكون لجهلي به معاديا . وإياك ثم إياك أن تستهين بشيء من العلوم ، تقليدا لما سمعته من جهلة أسلافك من الطعن فيه ، بل يجب أن تجعل لكل واحد حظه الذي يستحقه ، ومنزله الذي يستوجبه ، وتشكر من هداك إلى فهمه ، وصار سببا لعلمه . فقد حكي عن بعض الفضلاء أنه قال : يجب أن نشكر آباء العلماء الذين ولدوا لنا الشكوك إذ كانوا أسبابا لمن حرك خواطرنا للنظر في العلم ، فضلا عن شكرنا من أفادنا طرفا من العلم ، ولولا مكان فكر من تقدمنا لأصبح المتأخرون حيارى قاصرين عن معرفة مصالح دنياهم فضلا عن مصالح آخرتهم . فمن تأمل حكمة اللّه في أقل شيء يستعملها الناس كالمقراض ، حيث جمع بين سكينين ، مركبا على وجه يتوانى حداهما على نمط واحد للقرض ، أكثر تعظيم اللّه وشكره ، ويقول : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ « 1 » . فلا تكن من الذين يستهينون من العلوم ما جهلوا به ، مثل استهانتهم المنطق الذي هو أصل كل علم وتقويم كل ذهن . وحكى أبو حيان في ( البحر ) ، أن أهل المنطق بجزيرة الأندلس كانوا يعبرون عن المنطق بالفعل تحرزا عن صولة الفقهاء ، حتى أن بعض الوزراء أراد أن يشتري لأبنه كتابا من المنطق فاشتراه خفية خوفا منهم . ومثل ذمهم العلوم الحكمية على الإطلاق ، من غير معرفة القدر المذموم والممدوح منها .

--> ( 1 ) سورة الزخرف ، آية 13 .